ثقافة وفنون

بوعتلا ..أقدم مسرحية تقليدية في كبدانة.

تمهيد

..تحكي رواياة النقاد والعارفين بالشأن المسرحي ” ..أن المسرحيات التقليدية المستوحاة من الحكايات الشعبية الذات التوظيف الحيواني، كان يلجأ اليها الإنسان قديما لتكون له كوسيلة وقائية من الإضطهاد بطريقة غير مباشرة. وقد عمل على توظيف الحيوان كرمز لكي يحميه من عواقب الخطاب المباشر الذي كانت لديه ردود أفعال عنيفة.

وهذه الأشكال من المسرحيات، كانت ولازالت تتضمن مشاهد درامية، تتداخل فيها الحركات بالألفاظ والجد بالسخرية.. في عروض يصعب فيها وضع حدود قارة وفاصلة بين المبدع والمتلقي. وتقوم على ركائز وخصائص كثيرة منها الحوار والتمثيل، يتداخل فيهما الديني بالخرافي والواقعي بالسحري وتقوم بوظيفة التحكم في أخلاق وتصرفات الأخرين عن طريق الهزل ونقد الخلل الإجتماعي وتقويم السلوكات.. وكذا الكشف عن تعارضها للقيم وللتقاليد وللأعراف..”

ومن بين هذه المسرحيات التقليدية المستوحاة من الحكايات الشعبية الذات التوظيف الحيواني، نجد مسرحية ” بوعتلا”. وهي مسرحية كانت الى الأمس القريب تعرض فصولها في مناسبات الأفراح والأعراس بمنطقة كبدانة بالريف.. مسرحية أفضل ما يمكن أن يقال عنها أنها كانت ممثلة لأحدى القيم الثقافية الأكثر قدوما وصمودا في وجه الزمن، وذلك لما تتوفر عليه من روعة في التعبير وجمالية التصوير والتعبير والعمق في الدلالة

ولكي نعرف أكثر بالمسرحية ونسلط الظوء على كل تفاصيلها وفصولها لابد منا أن نتطرق الى هذه المحاور

  • تعريف بوعتلا
  • الحكاية التي أقتبست منها المسرحية.
  • عروض المسرحية التي أقتبست من الحكاية
  • الإنتقال الايحائي والرمزي من الحكي الى
    العرض المسرحي.
  • وظيفة مسرحية بوعتلا.

_ والبداية
تعريف “بوعتلا”
بوعتلا: هو نوع من الصقور التي كانت ولازالت تعيش في منطقة كبدانة بكثرة. ويسمى “بوعتلا” كذلك ب “بلعمران” وهو طائر حاضر في التداول الكلامي الشعبي، لكن دائما برمزية ساخرة.

  • الحكاية الشعبية التي أقتبست منها المسرحية.
    يحكى أن “بوعتلا” تزوج إبنة الصقر”الباز” الذي يحسن فن الصيد، إذ بهذا الأخير زار يوما إبنته ليتفقد حالتها، فإندهش من شدة نحالة جسمها فلما إستفسرها عن الأمر؟ حكت له: ” أن بوعتلا لم يعد يأتيها بصيد ثمين كما كانت عند والدها، إذ يقتصر على الجراد والحشرات فقط.. ” فإنتظر الباز قدوم صهره فطلب منه أن يرافقه الى البراري ليعلم له فن الصيد.. ورغم كل المجهودات المبذولة من طرف الباز، إلا أن بوعتلا لم يستوعب الدرس وكل محاولاته باتت بالفشل..

.. للباز طريقة صيد ذكية، إذ يلقي بصره بإمعان على الفريسة وبسرعة خاطفة ينقض عليها، عكس بوعتلا الذي يتردد كثيرا ليصعد إلى السماء ويعيد الكرة عدة مرات فيبدو للعامة على شكل راقص في الهواء. ذات يوم لم يتمالك الباز أعصابه حين داوم بلعمران على هذا الحال، إذ به صعد إلى السماء وهوى على بوعتلا الذي كان يتواجد من تحته أثناء التدريب، وغرس مخالبه في مؤخرته، فصاح بوعتلا من شدة الألم.. ويحاه قلبي .. فرد الباز قائلا: “..لهذه الأسباب لا تجرء على الصيد، كنت أظن أن قلبك يتواجد في صدرك وليس في مؤخرتك…” إنتهت الحكاية؟!

ـ عرض المسرحية التي أقتبست من الحكاية.

..تقوم فتاة بالغة بحزم الكسكاس على خصرها كما تضع الأخر فوق رأسها فتغطى بإيزار، ثم تقوم بتحريك أجنبة الإيزار فتبدو على شكل طائر ذو جناحين، بعدها يحوم الشباب والشابات حولها، غالبيتهم يكونون من الأقارب، فيشكلون دائرة.. يرددون بعض الأهازيج مثل أردح..أردح يا بوعتلا الله يهديك عدة مرات.. وهي مصحوبة بإيقاعات على الدفوف في شكل فرجوي بهيج. يتطوع أحد الشباب أو الشابات في ضرب أحد الكسكاسين بالمنديل الذي أعد خصيصا لهذا الغرض، فإذا أصاب الذي يتواجد فوق الرأس فسيبقى في الدائرة ويسمح له بمواصلة الفرح، بعدها يمرر المنديل بالتناوب الى الحضور داخل الدائرة ليشارك الجميع في اللعبة، وإذا أخطأ أحدهم وأصاب الكسكاس الموجود فوق الخصر سيخرج من الدائرة إلى حين وقوع الآخر في الخطأ فيعوض مكانه أحد ما من الحضور…إنتهى العرض..

  • الإنتقال الايحائي والرمزي من الحكي الى العرض المسرحي.

وكما ذكرنا سالفا ” ..فأن مسرحية بوعتلا مستوحاة من الحكايات الشعبية، التي كان يضرب المثل فيها بالحيوان. وهو تمثل ينتمي إلى النظام الرمزي، لذا نجد بداخل المسرحية مشاهد لها عدة إيحائات من الحكاية، التي بدورها إنتقلت الى النظام الرمزي داخل المسرحية، إذ تعتبر الفتاة داخل مشهد المسرحية إبنة الباز ؟! المستوحاة من الحكاية وبلباسها الإيزار وتحريك أجنبته هي حركات تعبر عن سخرية من “بوعتلا ” الفاشل الذي لا يحسن فن الصيد لكنه يتقن الرقص على الهواء. أحد الكسكاسين يرمز إلى موضع القلب والأخر إلى موضع الخصر كما في الحكاية، إذ صيغت في قالب رمزي وتحولت عبارة الباز (…قلبك في صدرك وليس في مؤخرتك) إلى مشهد رمزي مسرحي وذلك من خلال لعبة التعرف على موضع الكسكاسين بواسطة ضربة المنديل لإحداهما، وهو كذلك يدخل في خانة السخرية من بوعتلا الذي لا يعرف موضع قلبه.

ـ وظيفة مسرحية بوعتلا
كانت هذه المسرحية تؤدي وظيفة تقويم سلوك الأهالي عن طريق السخرية، خاصة، أن هذه الأخيرة كانت تؤدى عروضها قبل موعد حفل الزواج بيومين وهي كتعبير يتمحور أساسا نحو تقويم سلوك الرجل المقبل على الزواج، خاصة في عدم تحمله مسؤوليته كاملة تجاه زوجته وأسرته لذا وجب عليه أن يكون مثل الباز الناجح أويكون عرضة للسخرية كبوعتلا.

نورالدين شوقي .. باحث في تاريخ وتراث كبدانة.

حقوق الصورة ل Jack Seeds on Unsplash

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
معذرة، لا تستطيع نسخ هذه الصفحة قم بمشاركتها.
%d مدونون معجبون بهذه: