أخبار الرئيسيةمقالات الرأي

“ما بالخبز وحده يحيا الإنسان”

قبل عقدين من الزمن لم تسمعوا عنا..و نحن ثلة من المراهقين تعد على رؤوس الأصابع قررنا أن نختار المسرح بدل تعاطي المخدرات و الانحراف..لم تسمعوا عنا و نحن على الهامش لا نملك أي دعم و بعضنا يعمل في أي شيء لنصرف على المسرح من جيوبنا كي لا يموت..لم تسمعوا عنا و نحن لم نملك سوى بضع دريهمات نصارع الواقع المرير للريف من جهة و نصارع المغرب العميق من جهة اخرى..و نسافر بقضايانا الاجتماعية و الاقتصادية و مشاكلنا السياسية عبر ارجاء الوطن..لم تسمعوا عنا حين كنا نعرض مسرحنا باللغة الريفية في أقصى المغرب فتعتلي وجوه الحاضرين صدمة و دهشة يتساءلون من أين جاء هؤلاء؟ و ما هذه اللغة؟ حين كان لزاما علينا ان نثبت لهم و لأنفسنا أننا قادرون على صنع ابداع قوي رغم اننا جئنا مفلسين من الهامش..لم تسمعوا عنا و الناس تسأل ماهي الحسيمة و أين جاءت؟ و نحن نشرح لهم أنها مدينتنا المتينة المعزولة..و كيف لمدينة مثل الحسيمة أن يكون فيها مسرحيون؟ لم تسمعوا عنا و نحن نتصارع و نترافع بكل قوة و صمود ضد أي حيف في حق الريف و ضد أي موقف سياسي او اقتصادي او اجتماعي غير منصف..و قد وصلنا في احيان كثيرة و باندفاع طفولي في الكثير من الملتقيات الى مشادات بالأيدي و تراشق بالكراسي ضد كل من سولت له نفسه ان يقصينا بسبب لهجتنا..لم نكن نقبل بأي احتقار للريف و بأي استنقاص له و قد دافعنا عن ذالك بكل ما اوتينا من قوة و شراسة دون التباهي أو رغبة في الظهور ..ببساطة لقد قمنا بواجبنا و كنا سفراءا لكل القضايا الشائكة حين كانت الحسيمة لا تملك حتى طرقا معبدة نحو مدن اخرى..أخذنا على عاتقنا و نحن صغار هما يفوق ثقله عقولنا و اجسادنا الصغيرة..فكان الناس يستغربون كيف لمدينة مثل الحسيمة بدون مسارح و لا معاهد ان تصبح رائدة في المسرح..لقد كانت المعاناة و هامش الحرية المسلوب منا و رفضنا للواقع الذي كنا فيه وقودا لنا لنتحرك نحو أفق افضل و نرفع صوتنا و نحن نجهر بالحق في مسرحياتنا كفى تهميشا للريف و كفى اقصاءا و كفى و كفى و كفى..فيما كان بعضنا يهاجر متعبا من هذا الواقع غير قادر على المقاومة بقينا نحن متشبثينا بالمسرح نكمل طريقنا و كنت أخشى أن نكون بذالك قد ضللنا الطريق.

و بعد هذه الحركية المسرحية..كان لزاما على وزارة الثقافة في عهد توريا جبران ان تشيد مسرحا صغيرا يسمى دار الثقافة و ذالك لم يكن هبة بل استحقاقا و نتيجة ترافع مستمر يجهله الكثيرين..فبدأ الاهتمام بالمسرح يكبر و توسعت الحركة المسرحية و بدأ الجمهور يحضر عروضنا و كنا سعداء و نحن نؤدي عملنا على الركح و نتواصل و نناقش كل قضايانا و مشاكلنا..و الآن و قد شيد هذا المسرح الكبير جراء نهضة مسرحية ريفية حقيقية و باعتبار ان المسرح الحسيمي كان في الصدارة وطنيا و دوليا فهو يستحق بناية تليق به..و الذين تابعواا المشهد المسرحي الحسيمي و كيف تطور سيعرفون جيدا ما أتحدث عنه..و لعل هذه البناية ستقي الجيل القادم من المسرحيين أن يشربوا من نفس كأس المرارة الذي شربنا منه.

و الأن بدل أن يكون النقاش من سيستفيد من هذه البناية و كيفية تسييرها و فرص الشغل المتاحة و المعايير التي سوف تُأخذ بعين الاعتبار؟
نهض بعض المثقفين من سباتهم و هم يتسائلون واش حنا خصنا مسرح؟ حسنا أن لا تعرفوا ما هو المسرح و دوره في الترافع و النضال و أين كان و أين هو الأن من الوعي الجمعي فتلك مشكلتكم..و لكن يكفي ان تبحثوا قليلا لتفهموا أن المسرح أكثر فن قاومت به البشرية كل شيء سيء.

المشكلة أنكم متسرعون في الأحكام و لا تذهبون للمسارح و تفضلون التلفزيون و هاتفكم النقال اللذان لا يعكسان الحقيقة..و تتحدثون من نقص في المعطيات و المفاهيم..أما الجمهور الذي تذوق المسرح و عاشه عن قرب لا يمكن ان يعود أدراجه للوراء لا يمكن ان ينطق بجملة مثل واش حنا خصنا مسرح؟ و مع ذالك نحن نعذركم و نتفهم نقص معلوماتكم عن هذا الميدان..لأنكم تظنون ان المسرح مجرد تسلية.

قد يكون في هذا الوطن و في العالم بأسره بعض المتطفلين و الانتهازيين في هذا الميدان شأنه شأن كل الميادين الا اننا لن نقبل أبداً ان يحمَّل المسرح وزر ذالك و لن نقبل بأي مزايدات في حقه..المسرح فن خالد و متين عاش لألاف السنين و يمكنه ان يصنع معجزات في الرقي بالوعي و التعريف الثقافي و النقد السياسي و النضال..إذا وجد مسرحيين و جمهورا يحترمونه و يعرفون قيمته.

شخصيا احببت المسرح و تعلمته و دافعت عنه بكل قواي و علمته قدر استطاعتي للكثيرين ممن أحبوا الركح و سأضل مدافعا عنه حتى و إن اعتزلته يوما..لأنني حين عشته أدركت ما يمكن أن يبنيه من ادراك و وعي لدى الإنسان..ربما لا زلنا في حاجة الى الكثير من العمل و لكننا على الأقل انجزنا جزءا منه و سيكون الجزء المتبقي مسؤولية الجيل الذي سيأتي بعدنا..لذالك فالهجوم على هذه البناية هو استنقاص من مقاومتنا و نضالنا كل هذه السنوات..انا أدافع عن المسرح و ادعوا الى الانفتاح على المسرح لانني ادرك أن المسرح قد يكون فقيرا و ربما لن يغنيك ماديا الا انه سيعلم أبنائنا جذورهم و هوياتهم و كيف يعيشون و هم يقاومون الظلام.

بخلاصة : ما بالخبز وحده يحيا الإنسان.
و السلام

بقلم الفنان محمد سلطانة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
معذرة، لا تستطيع نسخ هذه الصفحة قم بمشاركتها.
%d مدونون معجبون بهذه: