أخبارأخبار الرئيسيةتاريخ

جرائم ولاة الدولة الأموية في بلاد ثامزغا

بدواو محمد*

إن موضوع دخول العرب لبلاد افريقيا خلال القرن الاول للهجرة، يعتبر من المواضيع التاريخية التي لم تنل الاهتمام المطلوب من قبل الباحثين في الفترة المعاصرة، ولعله أمر راجع الى هيمنة العاطفة الدينة وعدم التجرد من الذات، بالإضافة إلى عدم العلو لفهم مجريات التاريخ خاصة المتعلقة بالتجاوزات التي عرفتها المنطقة عقب دخول ولاة الدولة الأموية الى المنطقة، وقبل الخوض في النقاش لبد من طرح ثلة من الاسئلة : ماهي مشروعية دخول العرب الى شمال افريقيا؟ ماهي طبيعة وخلفية دخول العرب الى شمال افريقيا؟ هل دخول العرب الى شمال افريقيا كان بالدعوة ام بالسيف؟ لقد عانت بلاد شمال افريقيا من الويلات مع ولاة الدولة الأموية، وذلك راجع الى سياستهم، اذ تم فرض ثلة من الضرائب المجحفة بالرغم من دخول الامازيغ في الاسلام، بل واكثر من هذا اذ تمت المبالغة في استنزاف ثروات البلاد وارسالها الى المشرق. بالعودة الى امهات المصادر التاريخية يمكن أن نقول ان طبيعة دخولهم الى المنطقة كان عبارة عن غزوات وليس فتوحات كما تم الترويج في العديد من البرامج التعليمية، ولتأكيد هذا الطرح لنا وقفة مع بعض النصوص التي تتحدث عن الامر؛ بداية من ابن عذاري الذي قال ” ثم وجه ابن حديج عبد الملك بن مروان في آلف فارس الى مدينة جلولاء، فحصارها وقتل من اهلها عددا كثيرا حتى فتحها عنوة فقتل المقاتلة وسبي الذرية واخذ جميع مكان في المدينة “(البيان المغرب في اختصار اخبار ملوك الاندلس والمغرب، ص16)، ويضيف ” وغزوته الى مدينة باغاية… فقاتلهم قتلا ذريعا “( نفسه، ص24)، وقرأنا ايضا لابن خلدون ” … ان فتح الله عليك فلك خمس الخمس من الغنائم… فخرجوا الى افريقيا في عشرة الالف…” ( تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص547)، نقف ايضا عند احد نصوص الرقيق القيرواني والذي يتحدث فيها عن تجاوزات عند دخول بلاد سوس ” فرحل من طنجة الى السوس الادنى … وقتلهم قتلا ذريعا وهرب بقيتهم …” ( تاريخ افريقية والمغرب، ص15)، ووردت اشارة ايضا بخوص بلاد سوس لدى ابن خلدون ” وبلاد السوس كانوا على دين المجوسية ولم يدينوا بالنصرانية فسارا عقبة وفتح وغنم وسبي واثخن فيهم وانتهى الى سوس” ( تاريخ ابن خلدون،ج4، ص222). بناء على النصوص السابقة التي تم انتقائها من امهات المصادر التاريخية، نلاحظ بآنها تتحدث عن طبيعة دخول العرب الى بلاد شمال افريقيا، والتي تم تدوينها على انها غزوات، على غرار هذه الغزوات فقد كانت معاملة العرب لبلاد الأمازيغ معاملة الغازي ولعل هذا ما تم تسجيله من خلال بعض النصوص التاريخية ابرزها يعبر عنها حسن مؤنس بمايلي: ” أنه لم يكن نشر الاسلام غاية واضحة في زمن عقبة اذ لو طلب هذا فليست تلك السبل التي تؤدي الى ادراك هذه الغاية… وتخيير الناس بينه وبين الحرب والجزية … اما عقبة فكان ينقض على المدائن محاربا مقاتلا…”، وقرأنا نص يعود الى بن الاثير يتحدث فيه عن طريقة تعامل عقبة مع اهل المنطقة ” وقتل المسلمون فيهم حتى ملوا” ( تاريخ المغرب العربي، ج1،ص203)، وقرأنا ايضا لابن عذاري نص ، ينتقد فيه ابو المهاجر عقبة حول السياسية التي نهجها تجاه الأمازيغ ” بئس ما صنعت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف جبابرة العرب” ( البيان المغرب، ص29)، ان عقبة وباقي ولات الدولة الأموية كان تعاملهم وفق مصالحهم الشخصية ( الغزو العربي لشمال افريقيا بين نبالة النص ودناءة الممارسة، ص15). وان المنهج الذي اتخذوه في معاملة بلاد شمال افريقيا، يختلف مع باقي المناطق، اذ نجد غياب خيار الفرصة الذي تنص عليه مبادئ الاسلام وهو خيار الاسلام ام الجزية او الحرب. كانت تلك نصوص متعلقة بالغزو وتم اخذها من مصادر فتح العرب لمختلف المناطق، والان لنا وقفة مع نصوص اخرى حول التجاوزات التي عرفتها المنطقة عقب دخول الولاة اليها وذالك باسم الاسلام والدين، وهي تجاوزات على المستوى العسكري والحربي، قرأنا لابن عذاري ” ووصل عقبة بن نافع الفهري الى افريقيا… فافتتحها ودخلها ووضع السيف في اهلها”( البيان المغرب، ص 26)، ويضيف كذلك في هذا الشأن ” واوغل السيف في المغرب يقتل ويأسر امة بعد امة وطائفة بعد طائفة” ( البيان المغرب، ص 26)، وبضيف قائلا عن عقبة ” فهزمهم وقتلهم تقتيلا” ( البيان المغرب، ص24). وقرأنا ايضا لابن خلدون ما يلي ” … وكان ملك مابين طرابلس وطنجة وكانت دار ملكه سبيطلة فلقو المسلمين في زهاء مائة وعشرين آلفا، والمسلمون يومئذ في عشرين الفا فكان من هزيمة العرب لهم وفتحهم لبسيطلة وتخريبهم اياها وقتلهم جرجير ملكهم، وما نفلهم الله من اموالهم وبناتهم” ( تاريخ ابن خلدون،ج6، ص125)، ويضيف بن عذاري في نفس السياق ” فقتلهم قتالا ما سمع اهل المغرب بمثله حتى هزمهم وقتل منهم خلفا عظيما” ( البيان المغرب، ص27)، تجاوزات عسكرية حربية عديدة لم تكن ضمن الركائز الأساسية التي اتى بها الاسلام، وتعتبر الاولى من نوعها التي حصلت في بلاد شمال افريقيا، بيد ان هذه التجاوزات لم تتوقف عند موت عقبة بل استمرت بعده، واكثر من هذا هناك من يعتبرها انتقاما له ( الغزو العربي لشمال افريقيا بين نبالة النص ودناءة الممارسة، ص 16)، وهناك نصوص تاريخية تؤكد الطرح، وتم تعيين زهر بن القيس خليفة لعقبة في شمال افريقيا وعمل على اخذ الثأر منهم لموت عقبة ( تاريخ المغرب العربي، ج1، ص 129)، ويضيف الرقيق القيرواني في هذا الشأن انه بعدم اثخن قتلا في اهل المغرب ففزع منه اهل إفريقية واشتد خوفهم ولجؤا الى الحصون والقلاع ( تاريخ افريقيا والمغرب، ص 20). لا يمكن لأي باحث أو أي شخص مهتم بالتاريخ أن يمر مرور الكرام على مثل هاته التجاوزات التي يستوجب الوقوف عندها بالدرس والتحليل، يمكن لنا من خلال ما سبق استنتاج ان المؤسسة العسكرية تجاوزات حدها وطاغت على مؤسسة الدعوة الإسلامية، ولعل هذا يتناقض مع أسس الاسلام، تشريعا واخلاقا، بناء على ما سلف فإن حركة الفتح لم تعد قضية مبدئية كما كان الحال في السابق، خاصة انه تم التأكيد على انها خالية من الحس الانساني، والمراد منها كان امتصاص النعم واشباع رغبات التعطيش للمال وللسلطة والسيطرة، يقول ابراهيم بيضون ان هذه الاسباب هي التي جعلت ” فون فلوتن ” يتطرق في موقفه ليفرغ الفتوحات من اي مضامين إنسانية او تبشيرية واصفا ايها بالاحتلال حيث يعيش شعب منتصر على حساب اخر مغلوب ( الدولة الأموية والمعارضة. مدخل الى كتاب السيطرة العربية للمستشرق الهولندي فون فلوتن، ص 12). لقد تجاوز الولاة الجانب العسكري، اذ عرفت المنطقة تجاوزات على المستوى الاخلاقي والانساني، وبإعتبار الدولة الاموية الجهاز الذي احتضن ما يسمى بالفتوحات في شمال افريقيا، فهي كانت دولة عسكرية بامتياز و ولاتها طغاة، ويضيف ابو الحسن الندوي انها كانت دولة عربية اكثر منها اسلامية ( رجال الفكر والدعوة في الاسلام، ص 33) ، ويرى فلوتن وكغيره من المؤرخين بأن الطابع العام لدولة الامويين انما كان دنيويا بكل تفاصيله. وقصد الوقوف على هذه التجاوزات لنا وقفة مع بعض النصوص التاريخية، بدايتا من ابن عبد الحكم ” فخلف عقبة بن نافع جيشه هناك… ثم سار بنعسه ومن خف معه… حتى قدم ودان فافتتحها، واخذ ملكهم فجدع اذنه فقال لما فعلت هذا بي… فقال عقبة فعلت هذا بك ادبا لك، اذا مسست اذنك ذكرته…” ( فتون إفريقية والاندلس، ص 52)، كما توجد ايضا اشارة لدى البكري حول الاستغلال الذي تعرضوا له الامازيغ، بخصوص بناء مدينة وجند حسان الأمازيغ بشكل الزامي ، ويقول البكري ” ليكون ذلك جاريا عليهم الى اخر الدهر” . على مستوى موضوع السبي فهناك ارقام قد لا يصدقها عقل الانسان، والسبي عملية دشنها عمرو بن العاص عقب غزاوته الاولى لبلاد المغرب بعد فتح مصر( الغزو العربي لشمال افريقيا بين نبالة النص ودناءة الممارسة، ص 24)، في هذا الصدد قرأنا لثلة من المؤرخين من العصور السالفة، نستهل الموضوع بنص الرقيق القيرواني وهو يتحدث عن سبي عقبة لنساء الأمازيغ ” … لم يرى الناس في الدنيا مثلهنّٓ فقيل ان الجارية منهن كانت تبلغ بالمشرق الف دينار ونحوها” ( تاريخ افريقية والمغرب، ص 15)، ويضيف الرقيق عن حديثه عن حسان بن النعمان اذ بعد آن أقدم على عبد العزيز بن مروان ” اهدى اليه مائتي جارية من خيار ما معه ويقال انه كان معه من السبي خمسة وثلاثين الف رأس مما لم يدخل المشرق مثله” ( تاريخ افريقية والمغرب، ص 36)، اما عن موسى بن نصير وحملاته في المغرب الاقصى فكان يعود بأعداد ضخمة من السبايا والاسرى اذ كانت تصل في بعض الاحيان مائة ألف رأس او اكثر( الغزو العربي لشمال افريقيا بين نبالة النص ودناءة الممارسة، ص 27)، ولدى ابن عذاري اشارة بهذا الامر ” فلم يسمع بمثل سبايا موسى بن نصير في الاسلام” ( البيان المغرب، ص 43)، ونعزز طرحنا هذا برواية وردت لدى بن عبد الحكم ” موسى بن نصير حين غزا المغرب بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مائة الف، وبعث ابن أخيه في جيش اخر فأصاب مائة ألف… فلما اتى كتابه بذلك قال الناس، ابن نصير والله احمق من أين له عشرون الف يبعث بها الى أمير المؤمنين في الخمس، فبلغ ذلك موسى بن نصير فقال ليبعثوا من يقبض لهم عشرون الفا” (فتوح افريقية والاندلس، ص 69) ، و لدى الرقيق القيرواني نص في هذا الشأن ” وذكر ابن ابي حسان ان موسى بن نصير لما فتح سقيوما كتب الى الوليد بن عبد الملك انه سار لك من سبي سقيوما مائة الف رأس، فكتب اليه الوليد ويحك اني اظنها من بعض كذباتك، فإن كنت صادقا فهذا محشر الامة” ( تاريخ افريقية والمغرب، ص 45)، ونغلق هذا الموضوع بنص ورد لدى ابن خلدون” وفتحهم لسبيطلة وتخريبهم اياها وقتلهم جرجير ملكهم وما نفلهم الله من اموالهم وبناتهم” ( تاريخ ابن خلدون،ج 6،ص 125). هناك نصوص تاريخية عديدة تتحدث عن موضوع السبي في زمن ولاة الدولة الأموية، والذي عرف تطورا كبيرا في زمنهم، ولا يمكن لنا ان نمر عليها كلها، لا يمكن لأي باحث أن يمر على مثل هذه التجاوزات، فالملاحظ من خلال كل النصوص ان ولاة الدولة الأموية كانت نواياهم واضحة وضوح الشمس ، اذ كان هدفهم هو استغلال المنطقة من جميع النواحي، بيدا ان سكان شمال افريقيا لم يكونوا صامتين على حقوقهم، ولعل قيام ثورات ضد سياسة الدولة الأموية كانت بسبب هذه التجاوزات، كذلك قيام امارات في المغرب الاقصى كان بسبب هذه التجاوزات ايضا، كذلك الردة لتي عرفتها المنطقة والتي اشار لها ابن خلدون في كتابه ،واوضح انها ليست ردة دينية وانما ردة على سياسة الدولة الأموية آنذاك. توصيات :

– اعادة كتابة تاريخ شمال افريقيا بالأقلام النزيهة والبعيدة عن الانتماءات السياسية والعرقية.

– رد الاعتبار الى الامازيغ.

– طرح نقاشات على المستوى الوطني لكشف مثل هكذا تجاوزات.

– ادراج تاريخ الأمازيغ في منظومات التعليم بمختلف اسلاكه.

* طالب باحث في التاريخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
معذرة، لا تستطيع نسخ هذه الصفحة قم بمشاركتها.
%d مدونون معجبون بهذه: