أخبارأخبار الرئيسيةتاريخسياسة

الأحد 22 يناير 1984.. عندما وصف الديكتاتور المغربي الريفيين بالأوباش

يقول ابراهام لينكولن في مقولة منسوبة إليه: “باستطاعتك خداعُ كلّ الناس لـبعض الوقت، وبعض الناس لـكلّ الوقت، لكن ليس بإمكانك خداعُ كلّ الناس لـكلّ الوقت”.

لطالما طبّل المنتفعون للحكام الديكتاتوريين و ضخموا من صفاتهم حتى نعتوهم بالذكاء والنبوغ و العبقرية، وفي ذلك لا يختلف الحال عما وُصِف به الحسن العلوي حاكم بلاد مراكش (المغرب) برضى قوى الاستعمار الجديد في المعسكر الغربي، فهو لم يصل إلى مُلك المغاربة عبر تعاقد اجتماعي أو أي شكل من هذا القبيل، و إنما ورث الحكم عن الاستعمار بعد أن قام بتصفية منافسيه من ذوي “شرعية إيكس ليبان” الخيانية. و يحكم من خلال و لصالح أقلية يسميها المغاربة بالمخزن، و هي جماعة صغيرة من المنتفعين من خدمة المصالح الاستعمارية، تضمن لنفسها الافلات من العقاب بشرط الولاء للأسرة العلوية كعمود فقري لهذه المنظومة، مستفيدين من “تقنية ليوطي” في “تسيير البلاد باستعمال السلطان”، ضدا على إرادة الشعب و مصالح الوطن، و عبر توظيف كل أنماط الفساد و الاستبداد التي يمكن للاستعمار الجديد التغاضي عنها.

و هذه المعادلات ما تزال سيدة الموقف إلى اليوم، و زادت حدّةً منذ تسليم البلاد إلى أغوال السوق و الأبناك العالمية، و الأمر الذي لم يترك الشعب مكتوف الايدي، بل خرج في انتفاضات عارمة، عرفت أوجها بداية 1984 في جل المراكز الحضرية و خاصة بالريف الكبير.

مناسبة هذا التذكير، و نحن في الذكرى 37 لانتفاضة يناير 1984، هي وضع عموم الريفيين والمغاربة أمام الحقائق التي حاول الحسن العلوي إخفاءها بخطابه الذي تلا القمع الهمجي لمعظم بؤر الانتفاضة باستعمال الجيش و الأسلحة الحربية في الشوارع، خصوصا في الريف.

إن ذلك الخطاب لم يكن إلاّ “انفعالَ ديكتاتورٍ يحاول استعطاف المعسكر الرأسمالي ويسعى لخداع الشعب باستعمال أساليب المعسكر المضاد من شعبوية واستغلال للدين و ترهيب”، و لكن بأسلوب لا يجعل منه “ذاك العبقري الفذ” و لم يتميز في شيء عن الأساليب التبريرية لأغبى “المنتخبين/المُعينين/الإداريين”، و بطريقة لا تختلف عن خطب الانتخابات المخزنية من حيث “قول أي شيء من أجل فعل لا شيء”.

في هذا الخطاب المتلفز، احتكر “الحسن السفاك” الشاشة لإظهار غضبه وانزعاجه، بل و تقول المعلومات المتوفرة بأنه حرص – حتى قبل أن يجلس فوق الكرسي لإلقاء خطابه- على أن يبدو متشنجا وأن ما سيقوله لن يروق الجهات المعنية بخطابه، مستعيناً بـ”قاموس الشارع” لوصف خصومه السياسيين و عموم المنتفضين، حيث نعتهم بـ”الأوباش” و”الدراري” و أنه لن يتردد في استعمال القوة ضد رافضيه مستخدماً عبارة “نخلي دار بوهم”.

إن مناهج البحث العلمي تكشف خلفيات مثل هذه “الانفعالات” و حقيقتها المنفلتة، خاصة ما يهم تركيز الديكتاتور على شيطنة خصومه و تبرئة ذمته لاستمرار سلطانه، وهي كثيرة ضمن ثنايا نص الخطبة، و التي كانت موازية لسلوكه المهزوز أثناء إلقاءها، أهم تلك الحقائق:

  • كشفه لحقيقة تصوره لـ”الدولة” على أنها مركزة في شخصه “هو”.
  • اعترافه باستمرار العمل بـ”القانون” كما وضعته فرنسا إبان الاستعمار.
  • اعترافه بالإشراف على قمع الريف شتاء 58-1959 و أيضا قمع انتفاضة 1981 بالدار البيضاء.
  • اعترافه بإعطاء الأوامر لقمع الأطفال واستهداف الأساتذة والمحامين.
  • إبرازه لمدى احتقاره لعموم الفئات الشعبية المسحوقة من معطلين ومهربين معاشيين، بل واحتقاره لمناطق بأكملها.
  • اعترافه بقيادة سياسة التكفير ضد الماركسيين و الشيعة، و بتوجيه علماء الدين للتغطية عن الأسباب التي جعلته موسوسا تجاه الخميني و “ثورة إيران”، منذ استضافته القصيرة للديكتاتور الإيراني المخلوع و المطارد.
  • عدم تكذيبه لمضمون فقرات “البيانات المُعادية” التي تلاها حول الأسباب الحقيقة للانتفاضة.
    و يبقى الأهم فيما يخص أسباب نزول الخُطبة أنه خضع للانتفاضة، و لو مرحليا، بإعلانه على مضض إلغاء ما كان قد “قرره” من زيادات في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية.

أما عن حقيقة ادعاءاته في الخطبة، فلعلّ بحثا بسيطا حول السياقات التاريخية و تطورات الأحداث منذ ذلك الوقت، خصوصا مع توافر الأرشيفات و المذكرات و الشهادات و الوثائقيات، سيكون كفيلا بإماطة لثام الأكاذيب:

  • حقيقة النجاح المزعوم للمؤتمر الاسلامي، الذي كان ينعقد آنذاك في الدار البيضاء، في “توحيد الامة الاسلامية”.
  • تفاصيل المؤامرة “متعددة الأطراف” المزعومة و التي اتهم الحسن العلوي في اطارها المتفضين بالخضوع لتعليمات المخابرات الإسرائيلية و الايرانية، و هل هي “المؤامرة”، نفسها، التي عرفتها تونس التي انتفضت آنذاك لنفس الأسباب المعيشية، كما توضح الدراسات والأبحاث المقارنة.
  • علاقة الانتفاضة بأفغانستان أو بنغلاديش و باكستان.
  • حقيقة من خدم “المخابرات الصهيونية” حقا ودون موافقة الشعب.
  • حقيقة أن ميزانيات التعليم هي من كانت السبب في غلاء الأسعار و ليس “سياسات التبعية الاقتصادية” التي انتهجها رأس المخزن المتحكم.
  • مدى مساهمة “الحكام العلويين”، من عدمها، بالملايير التي تملَّكوها في ميزانيات التعليم و ضمان مجانيته.

هذه امثلة من غيرها من الحقائق يمكن استقراؤها من بين سطور الخطبة و ملامح وتصرفات الذي يُلقيها، إلا أن أفضل تلخيص للطريقة الحقيقية التي يفهم بها العلويون الحكم هي القصة التي سردها في آخر الخطبة حول “حوار دار بينه و بين أبيه”، و التي اعتبر فيها انه في وضع شرعي إذا قتل 20 في المئة من الشعب إذا عارضوه أو رفضوا حكمه أو سياساته، و هذه النسبة تعني “أكثر من عدد سكان ليبيا وموريطانيا معاً”، على أقل تقدير.

ولعلّ فضاعة هذه الخطبة من الناحية السياسية و الأخلاقية هو ما جعل المواقع الرسمية تنشر كل “الخطب العلوية” منذ الاستعمار المباشر بإستثناء خطاب يناير 1984، المتلفز منه و المكتوب.

و نادرا ما يُنشر نصه كاملا، لكن في كنانيش خاصة لا يقرأها العامة و في صيغة رسمية مُعرّبة، لأن نوعية الدارجة المستعملة في الخطبة لها نبرة اقرب للسوقية و الصعلكة، بمعنييهما السلبي و القدحي، و أبعد عن الآداب الشعبية في التخاطب والتحاور.

و نظرا لغياب/إخفاء الشريط الكامل للخطبة و عدم وجود مقطع آخر غير الموجود في الأنترنت حاليا، يمكن الاطلاع على نصها الكامل المُعرَّب في الصورة أسفله على أن نأخذ مقطع الفيديو المنتشر بعين الاعتبار كي نقرأ النص بصيغته الحقيقة لا المنمقة بزخارف اللغة العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى